عله يأتي..
كالسمِ يسري بين أوردِتها.. تسلل مزعزعًا الطبقةَ الهشةَ من استقرارِها، أبى أن يهملُها في جلستِها على مائدةٍ بكرسيٍ واحدٍ بأحد المقاهي«لو كنتَ رجلًا لقتلتك» قالتها بتأففٍ بينما ضحكَ الانتظارُ منها وهي تبغضُه، ولا تستطيعُ الفكاكَ من بين مخالبِه، تنظر لساعتِها بسخط، لم يعتد التأخرَ عليها كل هذا الوقت، تمر الدقائقُ عليها ثقيلةً وهي تتابعُ وجوهَ الناسِ بحثًا عنه، تزفرُ بحنق، وتُخرجُ من حقيبتِها مفكرةً صغيرة، وقلمًا تناولتَه ونظرت له في تبجيل، فتحت ورقةً فارغةً وأغمضت عينيها وزفرت.. لا.. لا شيء«أين أنت؟ ماذا فعلتُ لكَ كي تتركنُي انتظر هكذا؟!»، قطع عليها النادلُ صخبَها ووضعَ أمامها فنجانًا من القهوة، نظرت للفنجانِ بلهفة، على صفحةِ وجهِه الذهبي خيلَ إليها أنها تراه، ابتسمت وحملتَه برفقٍ وارتشفت، وضعت الفنجانَ ولا تزال يداها تحتضناه، دارت بعينيها بحثًا عنه في الأركان.. في لوحةِ المركبِ الشراعي التائهِ بين الأمواج.. في المصباحِ المرتعشِ ضوئه، ليس هنا!
قَلبَت صفحةَ المقهى واتجهت بكل جوارحِها إلى الشارع، يعزلُها الزجاجُ عن ضجيجِه، قلبت بصرَها بين أضواءِ السياراتِ وأحجارِ الرصيفِ علها تجده، قبل أن تصيبَها ركلةُ اليأسِ استوقفها شيخٌ يجلسُ القرفصاءَ على حافةِ الرصيف، للحظاتٍ نست مُنتَظرها وراقبته، ينظرُ باهتمامٍ للاشيءٍ أمامه، من بين تجاعيدِ وجهِه طلت نظرةٌ شغوفةٌ جدًا، نظرةٌ تشتهيها وتفتقدُها! اتسعت عيناها وهي تراقبُه وقلبُها يحدثُها بأن وصولَه أصبحَ وشيكًا، مد الشيخُ أناملَه المرتعشةَ يرسمُ شيئًا في الهواء، تسارعت نبضاتُها وعيناها تلملمُ خطوطَه الوهميةَ كصفحةٍ بيضاءٍ تتوق لأن تتزينُ بها، توقف الرجلُ فجأة ودسَ يدَه في معطفه، ضاقت حداقتاها وهي تحاول اختراقَ قماشَ المعطفِ المهترئ، أخرج قصاصةَ ورقٍ وقلمٍ وبدأ يكتبُ باهتمامٍ واضح، رفعت حاجبيها في هلعٍ رافضةً التصديق« لا.. كيف تخطئُني وتتنزلُ عليه!».
إيناس سيد جعيتم
تعليقات
إرسال تعليق